ابن أبي الحديد

327

شرح نهج البلاغة

وقال الحسن : لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث : إنه لم يشبع مما جمع ، ولم يدرك ما أمل ، ولم يحسن الزاد لما يقدم ( 1 ) عليه . ومن كلامه : أهينوا الدنيا ، فوالله ما هي لأحد بأهنأ منها لمن أهانها . وقال محمد بن المنكدر ( 2 ) : أرأيت لو أن رجلا صام الدهر لا يفطر ، وقام الليل لا يفتر ، وتصدق بماله ، وجاهد في سبيل الله ، واجتنب محارم الله تعالى ، غير أنه يؤتى به يوم القيامة فيقال : إن هذا مع ما قد عمل كان يعظم في عينه ما صغر الله ، ويصغر في عينه ما عظم الله ، كيف ترى يكون حاله ! فمن منا ليس هكذا ، الدنيا عظيمة عنده مع ما اقترفنا من الذنوب والخطايا . وقد ضربت الحكماء مثلا للدنيا نحن نذكره هاهنا ، قالوا مثل الدنيا وأهلها كقوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة ، فأمرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة وحذرهم المقام ، وخوفهم مرور السفينة ، واستعجالها ، فتفرقوا في نواحي الجزيرة ، فقضى بعضهم حاجته وبادر إلى السفينة ، فصادف المكان خاليا ، فأخذ أوسع المواضع وألينها وأوفقها لمراده . وبعضهم توقف في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها العجيبة ، وغياضها الملتفة ، ونغمات طيورها الطيبة ، وألحانها الموزونة الغريبة ، ولحظ في تزيينها أحجارها وجواهرها ومعادنها المختلفة الألوان ذوات الاشكال الحسنة المنظر ، العجيبة النقش ، السالبة أعين الناظرين بحسن زبرجها ، وعجائب صورها ، ثم تنبه لخطر فوات السفينة ، فرجع إليها فلم يصادف إلا مكانا ضيقا حرجا ، فاستقر فيه ، وبعضهم أكب فيها على تلك الأصداف والأحجار ، وقد أعجبه حسنها ، ولم تسمح نفسه بإهمالها وتركها ، فاستصحب منها جملة ، فجاء إلى السفينة فلم يجد إلا مكانا ضيقا ، وزاده ما حمله ضيقا ، وصار ثقلا عليه ووبالا ، فندم على أخذه ، ولم تطعه نفسه على رميه ، ولم يجد موضعا له ، فحمله على عنقه

--> ( 1 ) ا : ( قدم عليه ) . ( 2 ) كذا في ا ، وهو الصواب ، وفى ب ، د : ( المنذر ) .